سعيد عطية علي مطاوع
227
الاعجاز القصصي في القرآن
الحدث الرئيس بزاد ينمو به في مساره المخصوص به ، فتنشئة الغلام في بيت العزيز تقوّي آصرة المرأة به ، بما يطمعها فيه ، ويغريها به ، ويوقعه في محنة تصهر نفسه وتخلّصها من أوشابها وأوضارها ، حيث يصلّ به تماسكه أمامها إلى السجن وظلماته ، وهو صابر على كل ما يعانيه دون أن يستسلم لدواعي الخيانة ، تمهيدا لأن يتولّى أخطر منصب في الدولة في أعصب وقت تمرّ به البلاد . . فتماسك يوسف أمام المراودة والإصرار عليها ، والتهديد بسببها لا تهدف القصة من ورائه إلى بيان عفّة يوسف ، فهذا غرض جانبي لا تقوم عليه لذاته ، وإنما هي تهدف إلى أن هذا الموقف اليوسفي رشّحه لأن يكون على خزائن الأرض ، لأنه كما قال للملك - حفيظ عليم ، وقيامه على خزائن الأرض منحه فرصة الالتقاء بإخوته القادمين للحصول على الزاد . . وهكذا تحرّكت القصة من هذا المنطلق إلى نهايتها . . فتأبّي يوسف علي الخيانة ليس خصوصية له ؛ إذ جميع الأنبياء والمرسلين صفوة مختارة من بين الناس ، يتميزون علي غيرهم باشتمالهم علي صفات الخير جميعها ، وتأبيهم علي صفات الشر جميعها ، فليس يوسف في ذلك فلتة ، لكن البيان القرآني ركز في قصة يوسف علي تلك الصفة لأنها تسلم إلى الأحداث التالية وتنميها ، لتصل إلى تحقيق رؤياه التي رآها في طفولته 49 . فهناك حبكة بين التقدمة للقصة والتعقيب عليها ، الذي يواجه تكذيب قريش بالوحي إلى رسول اللّه - صلي اللّه عليه وسلم - بتقرير مأخوذ من هذا القصص الذي لم يكن رسول اللّه - صلي اللّه عليه وسلم - حاضرا وقائعه : " ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ " ( يوسف : 102 ) . وهذا التعقيب يترابط مع التقديم للقصة في الاتجاه ذاته : " نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ " ( يوسف : 3 ) . والتقديم والتعقيب علي هذا النحو يؤلفان مؤثرا موحيا من المؤثرات الكثيرة في سياق القصة ، لتقرير الحقيقة التي يعرضانها ، وتوكيدها ، في مواجهة الاعتراض